أخبار تونسية

السنديانة الدمشقية منى واصف: أنا نجمة مقاتلة وأحلامي مَلَكية

في لقاء لها مع وكالة تونس إفريقيا للأنباء تحدثت الفنانة منى واصف عن سر استمرار نجاحها منذ ما يزيد عن نصف قرن، وعن رأيها في اكتساح المؤثرات “نجمات الانستغرام” لمجال التمثيل. وكشفت سر تعلقها باللغة العربية، واهتمامها الكبير بالأدب الروسي والأنقليزي.
تقول منى واصف إنها لم تكن تعيش في رفاهية، بل لطالما شعرت بأنها “نجمة مقاتلة”، وبينت أنها كانت تصغي باهتمام لآراء النقاد، وتحدثت عن تغير النقد اليوم مع التطور التكنولوجي، وفسح المجال للجميع للإدلاء بآرائهم.
في حوارها مع وكالة تونس إفريقيا للأنباء “وات” اعتبرت أن ظاهرة هجرة الشباب ليست جديدة أو خاصة بالمجتمعات العربية، وأعربت عن تفهمها لرغبة الشباب في ترك بلدانهم هربا من الحروب أو الفقر، لكنها وجهت لهم رسالة تدعوهم فيها إلى ألا يحرقوا قلب الأم التي هي الأرض والأرض هي الوطن، قائلة إن بعض الأوطان ذكرت في القرآن والإنجيل فلماذا يتركها أبناؤها.
شغف جنوني
تتميز النجمة السورية والعربية منى واصف بذاكرة وقادة، فهي تستحضر تفاصيل عاشتها منذ الستينات والسبعينات، وكأنها حصلت بالأمس القريب، تتمتع بثقافة واسعة وعزيمة فولاذية لم يمس الزمن من صلابتها.
تستحضر دخولها إلى عالم التمثيل وهي الشابة الجميلة المفعمة بالحياة التي كانت تبيع أزياء نسائية وكانت راقصة شعبية (الدبكة) فلا تخفي أن ذلك كان “من أجل الشهرة والراتب الجيد”. 
لكن زواجها من مديرها الضابط بالمسرح العسكري محمد شاهين جعلها تنقطع عن العمل لمدة عام باعتبار ان القانون يمنع العسكريين من الزواج بفنانات أو أجنبيات، فشعرت في تلك السنة انها خسرت أحلامها الملكية. تقول ” في طفولتي كنت أتخيل أنني أذهب أحارب ثم أرجع إلى جبل قسيون حيث شيدت قصرا”. وعندما أصبح زوجها يعمل في القطاع المدني عادت مجددا الى التمثيل ولسان حالها يقول “أمسكني لو استطعت”. شاركت الممثلة آنذاك في فيلم و3 مسرحيات منها “طرطوف” لموليير سنة 1966 وتصدرت صورتها غلاف مجلة “الحسناء”، تقول وظللت أشتغل حتى وأنا حامل، إلى غاية اللحظات الأخيرة قبل ولادة ابني عمار”. هذا الشغف الجنوني بالعمل والتمسك بالأحلام هو سر استمرار نجاح منى واصف لأكثر من ستين سنة من الإبداع، بين أعمال مسرحية وسينمائية وتلفزيونية.
وتؤكد على أهمية الاختيار بالنسبة إلى الفنانين، وللقائمين على التظاهرات الثقافية قائلة “عندما نأتي مثلا إلى مهرجان أيام قرطاج السينمائية فلأنه مهرجان ثقافي يختار جيدا الأفلام المشاركة والا ما كان له أن يضمن ديمومته”.
والنجاح في تقديرها لا يتعلق بالموهبة فقط فهي وحدها لا تكفي لينجح الممثل تقول: “الموهبة هدية من الله هذا أكيد لكن لا بد من الاشتغال أكثر”، وتضيف “يجب على الممثل أن يقرأ ويثقف نفسه ويقابل الناس فالممثل يقدم أدوار الناس في أشكالها المتعددة سواء أكان ملكا أم شحاذا، فكيف لي أن أقدم الدور لو لم أره عن كثب في الحياة؟”.
قبول النقد
وتعترف بالفضل الكبير للمسرح ودوره الهام في تكوينها: “ثقفني المسرح، فقد كنت أشتغل في مسرح قومي يقدم الأعمال العالمية والعربية المتميزة وباللغة العربية الفصحى، لذلك كنت أقرأ كثيرا وذلك أيضا كان له دور مهم في نجاحي”.
وعن ظاهرة اقتحام نجوم “الانستغرام” أو المؤثرات لمجال التمثيل، تؤكد أنها لا تعارضها ولكنها على يقين بأن التجربة تفرز إذا كان هناك موهبة وقدرة على التمثيل أم لا، ودون استغراب أو رفض للظاهرة تقول بكل حكمة وهدوء “هن نجمات اشتهرن في مجالهن ودخلن مجال التمثيل، فإذا استطعن إثبات أنهن فنانات لا مانع طبعا بالعكس فهو مكسب، والزمن كفيل بالغربلة”.
ويلاحظ المتابعون للمشهد الدرامي التلفزيوني بالخصوص كثافة الإنتاجات، ولكن ليست كل الأعمال تبقى خالدة في الذاكرة، وفي المقابل تعتبر الممثلة منى واصف علامة مميزة وضمانة لنجاح العمل وبقائه في الذاكرة، مما يجعلنا نتساءل عن كيفية اختيارها لأدوارها.
في هذا السياق تكشف الفنانة في حديثها لـ “وات” أنها تقرأ بنفسها ما يرد عليها من مقترحات “ليس لي من يقرأ النصوص، تتصل بي شركات الإنتاج ويرسلون لي نصا فأقرؤه كاملا إذا أحببته وارتحت له أقبله وإذا لم يعجبني أعتذر عنه، ليس لي منزلة بين المنزلتين”.
ولا تخفي هذه الممثلة الصريحة، أنها قبلت في بداياتها أعمالا لم تكن مقتنعة بها تماما، وتعترف أنه خطأ، مضيفة “لكن بعد مسيرتي وبعدما اكتشفت حب الناس لي لم أعد أقبل إلا ما أقتنع به”.
وتتذكر جيدا أنها قدمت مرة واحدة دورا جريئا نوعا ما فرفضها الناس، بل إن احد النقاد الكبار وجه لها لوما لاذعا قائلا “منى واصف أنت ملكة على المسرح لماذا تخلعين عنك تاجك بيديك؟ ملكة في المسرح، كومبارس في السينما؟”.
ولم ترفض يوما النقد، بل كانت تستمع إليه “بإصغاء شديد”، تقول “أنا لم أتعال يوما عن النقد بل أقبله بجماله وقسوته. فكل نجاحي ما خلاني أسكر، وكل فشلي ما خلاني أخاف”.
ولاحظت أن حركة النقد اليوم، اختلفت عما كانت في السابق، فاليوم أصبح النقد مشاعا للجميع مع ما أتاحته وسائل التواصل الاجتماعي من حرية الكلام والتعليق للجميع، “لذلك قد يأتي اليوم شخص ينقدني سلبا ولكن لن يحبطني، وقد يشكرني شخص فلا أصاب بالغرور”.
هذه الثقة بالنفس وهذا الوعي بأهمية انتقاء الأدوار، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن منى واصف هي ممثلة مثقفة وتعتبر أن الوعي الثقافي يجعل الممثل قادرا على الاختيار الجيد. وتشير إلى أن المسألة لا تتعلق بقيمة الأجر فالوعي بأهمية الدور والقيمة المضافة التي سيحققها في مسيرتها الفنية جعلتها تخفض أحيانا من أجرها إيمانا منها بأن الأدوار الجيدة لا تتوفر جيدا ولا المخرجين والممثلين الجيدين المشاركين في العمل.
وتوضح مع ذلك “أنا لست نجمة مرفهة، بل لطالما شعرت أنني نجمة مقاتلة وأنا فعلا كذلك. فكان لا بد أن أقاتل أي أستميت، لآخذ الدور وأقاتل لأثبت نفسي فأنا مقاتلة بكل معنى الكلمة”.
وتضيف مستدركة “صحيح مهنتنا تدر الأموال وتعطينا الشهرة، لكنها متعبة، ولكن اذا توفر العشق والشغف خلاص…”.
أهمية المطالعة
هذا العشق والشغف للتمثيل يرافقه عشق كبير للكتاب، تؤكده منى واصف التي تملك مكتبة ثرية ببيتها عن اختياراتها وقراءاتها المفضلة تقول “منذ صغري كنت أقرأ كثيرا وأقرأ كل شيء، قرأت حتى “أرسين لوبين”. ثم تعمقت قراءاتي، صرت قارئة نهمة، أقرأ كثيرا الأدبي الروسي والانقليزي وكذلك الأمريكي. وفضلا عن شغفها بالمطالعة تقول “لأنني أيضا ممثلة مسرحية فلا بد أن أقرأ رغما عني”. وهي لا تجد حرجا في الاعتراف بانها في بداياتها لم تكن تقرأ كثيرا “لم تكن ثقافتي واسعة حين دخلت مجال التمثيل، حتى أنني عندما مثلت نصوصا لشكسبير لم أكن أعرفه جيدا ولا موليير كذلك، ولكن مع سنوات الخبرة ترسخت عندي قناعة بأهمية المطالعة”.
وكان لتعلمها ترتيل القرآن وتجويده بالمسرح القومي دور كبير في إتقانها مخارج الحروف، واختيارها لأدوار صعبة. تقول “لم يتم اختياري لفيلم الرسالة لأنني امرأة جميلة بل لأنني أتقن التمثيل واللغة العربية”.
وبين الممثلة منى واصف واللغة العربية التي خصصت لها منظمة اليونسكو يوما عالميا للاحتفاء بها كل سنة (يوم 18 ديسمبر) علاقة عشق كبيرة توضحها بنبرة لا تخلو من الفخر “عندما أمثل بالعربية الفصحى لا أشعر أنني داخل جلد آخر، فأنا مرتاحة جدا لأنني أتكلم لغتي”. وتجدد التأكيد على دور المسرح في إتقانها للغة (إذ كانت كل الأعمال تقريبا باللغة العربية الفصحى) وفي اختيار أعمالها لاحقا موضحة “أنا أشتغل على دوري بدقة مثلما يشتغل الكاتب على كتابه، أغير الحرف والكلمة وأعيد تشكيل الجملة”. وتضيف بتواضع، “صحيح أنني أتقن بشدة اللغة العربية ونجحت في تقديم أدوار بالفصحى، ولكن أكيد يوجد من جيلي من هم أفضل مني”.
وحاليا ورغم تطور التكنولوجيا، لا تقبل منى واصف أن تتلقى من المنتجين نصوصا على “الموبايل” لقراءتها تقول “أنا أعشق الورق وأريد أن أقرأ وأعدل النصوص المكتوبة على الورق”.
الممثلة منى واصف التي اختارتها في السابق منظمة الأمم المتحدة سفيرة للنوايا الحسنة، لمحاربة الفقر، تحدثت مع “وات” أيضا عن دور المثقف في المجتمع، لافتة إلى ضرورة أن يتميز المثقف بطابع إنساني وأن يقابل الناس ويتحادث معهم وينصت إلى اهتماماتهم ومشاكلهم ومعاناتهم. وأشارت إلى “حالات رهيبة من الفقر في عدد من المناطق”، وقد قابلت بان كي مون آنذاك وأبلغته عن حالات إنسانية ذات علاقة بدول، فيها بؤر تحت خط الفقر. وأوضحت متحدثة عن بعض البلدان: “إما الاعتراف بوجود فقر وبالتالي طلب المساعدة الأممية، أو المواصلة في الإنكار وإخفاء بؤر الفقر مع خطورة انفجارها وتحولها إلى بؤر إرهاب وهذا مخطر”.
هذه المخاطر وغيرها، تابعها الجمهور في كثير من الأعمال التلفزيونية لمنى واصف التي قدمت عدة أدوار منها بالخصوص الزوجة القوية والأم الحنون التي ترعى أبناءها، ولكن اليوم نجد الأم في بلدان عربية كثيرة ترى ابنها يرتمي إما في أحضان منظمات إرهابية أو في عرض البحر حيث يركب قوارب الموت في هجرة غير شرعية. عن هذه الظاهرة تشير الممثلة إلى أنها ليست جديدة، ففي كل الحروب التي مرت بالمنطقة منذ ما قبل الإسلام هناك أناس يغادرون أوطانهم ويقاتلون ويموتون في سبيل شيء هم يفكرون به، وفق تعبيرها. “وحتى في حال عدم وجود حروب هم يهاجرون هربا من الفقر”. وتعتبر أن “الشباب لهم هذه الشجاعة التي تجعلهم يهاجرون، رغم قساوة الغربة”، وترى أنهم لن يكفوا عن ذلك بمجرد توجيه رسالة لهم بأن لا يهاجروا ويتركوا أهاليكم والوطن، بل تؤكد “أود أن أقول لهم شيئا واحدا: صحيح أنني مثلت كثيرا دور الأم التي تسعى إلى المحافظة على أبنائها، ولكن من هي هذه الأم في الحقيقة ؟ هي الأرض، فالشباب يتركون الأرض ليذهبوا إلى أرض أخرى. فكيف تتركون أمكم تموت وأرضكم تصبح بورا ويموت فيها الزرع؟”.
وتستحضر دورها في مسلسل “الهيبة” قائلة أم جبل مات ابنها بالغربة وابنها الثاني قتلوه وبقي جبل وبنت بل حتى أن زوجها مات في زفاف ابنه” وكيف جعلت من أم جبل أما للجميع، مشددة على انها لا تريد أن تقدم الأم ضعيفة. فالأم وطن والأوطان لا يجب أن تضعف.
وتختم تعليقها على هذه المسألة: “أقول للشباب لا تحرقوا قلب الأم بل لا تحرقوا قلب الأرض لأنه يوجد أوطان ورد ذكرها في القرآن وفي الإنجيل فهل أنتم تغيرون الأرض أم السماء أم الأقدار؟ لا يمكننا قول اي شيء ولكن أنا مثلا لا يمكن أن أترك وطني”.
عن هذا الموقف من الهجرة الذي لطالما عبرت عنه منى واصف، وعن سر تعلق أم عمار بالشام رغم كل الإغراءات والمقترحات التي ما انفكت ترد عليها من بلدان كثيرة، تقول منى واصف “هناك شيء ما أنا بنيت” قبل أن تضيف “هذا بيتي. أنا كبرت مع الشجر وكبرت مع العصافير وكبرت مع الناس”. وتتحدث بفخر عن لحظات سعادة تغمرها عندما يعترضها محبوها فيقولون لها “نحن كبرنا معا”، تقول “صحيح في كل الوطن العربي يقال لي هذا الكلام لكن ليس مثلما يقوله لي جيراني وأهلي وأحبابي والتربة التي دفن فيها أهلي”. بتأثر كبير تضيف: “الناس يحبونني بصدق وهذا يجعلني أحس بالدفء”.
وتختم كلامها بالقول “أنا عظامي شامية والدم الذي يسري في شراييني شامي، ولست أنا فقط من يتحدث هكذا عن هذا الوطن بل كل من هم في سني…هناك شيء ما أنا بنيته”. تصمت قليلا وكأنها تستحضر شيئا ما قبل أن تواصل حديثها بكل حماس “ألم أقل لك إن أحلامي ملكية، وإنني كنت أحلم انني أقاتل ثم أعود إلى جبل قاسيون؟ فأنا لم أحلم في أي مرة لما ذهبت أقاتل أنني لم أرجع (تضحك…) قبل أن تضيف “صحيح ليس لي قصر الآن كما حلمت لكنّ لي بيتا يطل على جبل قاسيون…توجد علاقة كبيرة بيني وبين هذا الجبل الشامخ العريق”.
وتنهي الممثلة القديرة حوارها مع وكالة تونس إفريقيا للأنباء قائلة “أنا لأم مسيحية (أصلها من وادي النضارة) وأب كردي، فأنا نسيج سوري بامتياز لذلك لم أترك الشام ولن أفعل”.
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى